الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

182

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وثالثا : إننا نقرأ في ذيل هذه الآية كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء والمراد بالفحشاء هو التلوث وعدم العفة . . والمراد بصرف السوء ، هو نجاته من مخالف امرأة العزيز ، وعلى كل حال فحين رأى يوسف برهان ربه . . . تجنب الصراع مع امرأة العزيز وضربها ، لأنه قد يكون دليلا على تجاوزه وعدوانه عليها ، ولذا رجح أن يبتعد عن ذلك المكان ويفر نحو الباب . 3 - مما لا شك فيه أن يوسف كان شابا يحمل جميع الأحاسيس التي في الشباب ، وبالرغم من أن غرائزه كانت طوع عقله وإيمانه . . إلا أن مثل هذا الإنسان - بطبيعة الحال - يهيج طوفان في داخله لما يشاهده من مثيرات في هذا المجال ، فيصطرع العقل والغريزة ، وكلما كانت أمواج المثيرات أشد كانت كفة الغرائز أرجح ، حتى أنها قد تصل في لحظة خاطفة إلى أقصى مرحلة من القوة ، بحيث لو تجاوز هذه المرحلة خطوة لهوى في مزلق مهول ، ولكن قوة الإيمان والعقل ثارت في نفسه فجأة وتسلمت زمام الأمور في انقلاب عسكري سريع وكبحت جماح الشهوة . والقرآن يصور هذه اللحظة الخاطفة الحساسة والمتأزمة التي وقعت بين زمانين هادئين - في الآية المتقدمة - فيكون المراد من قوله تعالى : وهم بها لولا أن رأى برهان ربه إن يوسف انجر إلى حافة الهاوية في الصراع بين الغريزة العقل ، ولكن فجأة ثارت قوة الإيمان والعقل وهزمت طوفان الغريزة ( 1 ) . . لئلا يتصور أحد أن يوسف عندما استطاع أن يخلص نفسه من هذه الهاوية فلم يقم بعمل مهم ، لأن أسباب الذنب والهياج الجنسي كانت فيه ضعيفة . . كلا أبدا . . فهو في هذه اللحظة الحساسة جاهد نفسه أشد الجهاد .

--> 1 - مقتبس من تفسير " في ظلال القرآن " لسيد قطب ذيل الآية ج 4 ص 711 .